ابن الجوزي
31
القصاص والمذكرين
قال ابن جبير « 1 » : ( . . . ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه الإمام الأوحد جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي ، بإزاء داره على الشطّ بالجانب الشرقي ، وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة ، وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي . وهو يجلس به كل يوم سبت . فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمر ولا زيد ، وفي جوف الفرا كل الصيد ، آية الزمان ، قرة عين الايمان ، رئيس الحنبلية ، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية ، إمام الجماعة ، وفارس حلبة هذه الصناعة ، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة ، مالك أزمّة الكلام في النظم والنثر ، والغائص في بحر فكره على نفائس الدر . فأما نظمه فرضي الطباع ، مهيارى الانطباع « 2 » ، وأما نثره فيصدع بسحر البيان ، ويعطل المثل بقس وسحبان . ومن أبهر آياته وأكبر معجزاته « 3 » أنه يصعد المنبر ، ويبتدئ القراء بالقرآن وعددهم نيف على العشرين قارئا . فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القراءة يتلونها على نسق بتطريب وتشويق ، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية ، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة ، وقد أتوا بآيات مشتبهات ، لا يكاد المتقد الخاطر يحصلها عددا ، أو يسميها نسقا ، فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في إيراد خطبته عجلا مبتدرا ، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه
--> ( 1 ) انظر « رحلة ابن جبير » ص 206 تحقيق الدكتور حسين نصار طبع دار مصر للطباعة ( 2 ) تشبيه بالشريف الرضي ومهيار الديلمي ( 3 ) هذا التعبير لا يليق استعماله في غير الأنبياء ، فما وفّق ابن جبير باستخدامه .